You are here: Home منوعات الخوف.. عدو الفضيلة وأساس الانحرافات والعقد النفسية

::: ضيعة القلاطية :::

الخوف.. عدو الفضيلة وأساس الانحرافات والعقد النفسية

أرسل لصديقك طباعة

بقلم : ناجح خضر الحمود

عن جريدة أخبار الطب :

إذا كان الخوف هو عدو الفضيلة وهادمها ، فإن الصدق أبو الفضيلة والوعاء الحاضن لها . وللصدق منبت واحد هو التربية ، والتربية هي تأثير البيئة الاجتماعية المحيطة بالفرد أو المكونة للأفراد. ويأتي تأثير البيئة الاجتماعية على شكلين :
1 - شكل نظري هو مجموعة الأفكار والمعتقدات والعادات السائدة في المجتمع والتي تُكون الضمير الاجتماعي العام الذي يُشكلُ بقوةِ تأثيره محكمةَ الضميرِ لدى الأفراد.
2- شكل عملي وهو مجموعة ضروب السلوك الاجتماعي والحركة الاجتماعية المتوافقة نسبياً والمخالفة نسبياً للشكل النظري وهي التي تؤدي إلى عقدة الذنب عند الأفراد.
هذا بالنسبة لمنبت الصدق نقيض الكذب والضدّ الفعلي له ، والخوف هو وعاء الكذب وحاضنه وللخوف منبتان هما :
1 - استعداد وراثي يكسبه الجنين أثناء فترة الحمل عبر التقلبات والاضطرابات العضوية التي تنشأ نتيجة عوامل نفسية تتعرض لها الأم كالكذب والخوف والغضب وما ينتج عن ذلك من اضطراب في الدورة الدموية والتنفسية والهضمية والاطراحية وترافق هذه الاضطرابات إفرازات كيماوية تنتقل إلى الجنين في الرحم كما ينتقل إليه الغذاء
2 - العامل البيئي / التربوي / والذي يتكون من عاملين هما :
أ - التصادم بين الذات والمحيط أي بين /الأنا والهم/ .
ب- التصادم بين الرغبات الذاتية والقدرة على تحقيقها .
والجميع يعلم أن الإنسان يولد كتلة عضوية متكاملة الانسجام ويشكل فيها الهيكل العظمي  والنسيج الرخوي من عضلات و جلد وسواها الهيكل البنائي لهذا الكائن ، بينما تكون الجملة العصبية صلة الوصل بين هذه الهيكلية العامة ومركزها الدماغ الذي يشكل مركز القيادة لكامل الجسد البشري ، وتلعب السيالة العصبية دورين هامين هما استقبال المؤثرات والتنبيهات الخارجية والداخلية وإرسال الأوامر المنبعثة من الدماغ ، أما الاستقبالات الخارجية فهي عن طريق الحواس ( الشم-السمع- اللمس-البصر- الذوق ) أما الاستقبالات الداخلية فتكون عن طريق الحركات التي تقوم بها مجموعة الأجهزة العضوية كـ ( جهاز الهضم – التنفس-  الجهاز التناسلي – الخ ) والدماغ هو مركز الاستقبالات ومركز الإرساليات وكونه مُستقبل فهو يحتوي على خزان المعلومات الآتية ، ولأن هناك الكثير من المعلومات القادمة إليه ليس لها حل مباشر أي رد فعل مباشر / جواب مباشر / يصبح هذا الخزان مركز الكبت ، وهنا نستطيع أن نقسم ردود الأفعال الدماغية إلى قسمين :
1 - ردود أفعال مباشرة غريزية .
2 - ردود أفعال غير مباشرة ذهنية .
وردود الأفعال الغريزية هي الأسبق وتحتل المرتبة الأولى في الظهور وتوجد مع الوجود العضوي للكائن ، أما ردود الأفعال غير المباشرة - الذهنية - فهي في الدرجة الثانية ناتجة عن معرفة في المحيط وبالذات . ودافع الخوف ناتج عن غريزة المحافظة على البقاء وهو أساس في تكوين البنية النفسية ، وتأتي التغذية في المرتبة الأولى ولنأخذ مثالا على أهميتها ليس بصفتها متعة وإنما بصفتها حاجة عضوية /غريزية/ وأن ضرورة هذه الحاجة والإلحاح عليها يرافقه الخوف من عدم تحقيقها ، هذا الخوف الكامن داخل الكائن الحي ( الإنسان ) فالطفل الوليد يصدر بكاء أولياً ناتجاً عن عاملين هما :
1 - فقدان التغذية المستمرة التي كان يتمتع بها داخل الرحم .
2 - اختلاف درجة الحرارة بين الرحم والوسط الذي خرج إليه .
إنها الرجفة الأولى ، الخوف الأول ، والرضاعة هي الحلّ الأول ، وكل تأخر للرضاعة أو عملية التغذية يؤدي إلى بكاء حاد وهذا البكاء هو رد الفعل الأولي الغريزي وهو التعبير الصوتي الأول / التعبير اللفظي الأول / وهو رسالة الدماغ الأولى ، والأم تدرك أكثر من أي شخص آخر أن تأخرها في إرضاع الطفل يجعله يزداد صراخاً وكلما ازداد تأخرها ازداد اضطرابه ، ويظهر هذا الاضطراب واضحاً بشكل تعبيرات جسدية إضافية كتغير لون جلد الطفل ودرجة حرارة الطفل وشد الأطراف واختفاء الصوت وعودته بشكل متقطع على شكل اختناقات ، وهذه الاضطرابات التي هي رد فعل / تعبير عن الحاجة / هي بشكل ما تحمل في مضمونها الخوف الكامن من عدم تحقيق هذه الحاجة أي الخوف من اللااستمرارية وهذا الخوف هو خوف غريزي لارتباطه بحاجة غريزية ، والطفل بهذا الفعل لا يطلب المتعة وإنما يطلب الحاجة .
والمتعة ليست ذات منشأ غريزي ، بل تنمو مع التجربة والممارسة / المعرفة / وهذا لا يعني أن كل أشكال الخوف مرضية فالخوف نوعان :
1 - خوف طبيعي : وهو الناشئ عن وجود الإنسان في الطبيعة وتعامله مع ظواهرها وعدم قدرته على إيجاد حلول لكثير من هذه الظواهر وإمكانية تأثير هذه الظواهر على وجوده.
2- الخوف الإنساني : وهو أساس الكبت واختلال التوازن النفسي وهو الناتج عن تضاد الفرد مع بيئته من جهة وتضاد الذات مع ذاتها - كما أسلفنا القول - وهو درجات ، وكل درجاته محتواة ضمن دافع الخوف على البقاء ومنها : 1- الخوف من الألم. 2- الخوف من الحاجة. 3- الخوف من العادات والتقاليد. 4- الخوف من تأنيب الضمير. الخ.
ولنعد إلى مثال الطفل ، فهو في مرحلة التعرف على المحيط يعاني من الإعاقة / المنع / وتأتي الإعاقة على شكلين :
1 - شكل مؤلم / الضرب - التوبيخ -  الصراخ / .
2 - شكل سليم / المداعبة - الاهتمام – الإثارة / .
الشكل الأول : سينتج نوعين من الخوف : الأول مرضي ناتج عن الألم . والثاني : طبيعي هو معرفة أضرار المادة الممنوعة .
الشكل الثاني : ينتج عنه نوع واحد من الخوف هو الخوف من أضرار المادة الممنوعة عنه.
سيكون بذلك للشكل الأول / ردود أفعال سلبية / مرضية / الكذب وسيكون للثاني رد فعل سليم هو الصدق ، فالصدق يأتي من انتزاع الخوف وهذه مهمة الأسرة والمجتمع ، والصدق هو دعائم الفضائل جميعها .
وهنا يبدو أن مهمة الأم والأب هي أكبر بما لا يقاس من عملية الإنجاب أو تأمين المتطلبات، وهي معرفة جملة الدوافع الغريزية لدى الطفل ومعرفة كيفية إروائها بشكل سليم ، هذا الارواء الذي يعني انتزاع الخوف من نفوس أطفالهم ، ولا يكون ذلك عن طريق فعل الأمر والنهي لأن فعل الأمر يحمل اتهاماً مبطناً فمثلاً : قلَّ الصدق - لا تكذب .
هي أوامر تحمل في مضمونها الشك فيمن هي موجهة إليه . وكثيراً ما تلعب المجتمعات دوراً في تغليف معنى الخوف وإعطائه صورة إيجابية . ومثال ذلك : المجتمع القبلي / البدوي / سابقاً . ومنذ فترة غير بعيدة كانت تعتبر السرقة رجولة وشجاعة بمعنى وظرف معين ، ونذالة بظرف آخر . ولقد رافق الاعتبار الإيجابي لها مثل بدوي يقول [ اللي ما يبوك ما هو زلمي ] بمعنى الذي لا يسرق ليس رجلاً ، وكانت تحدد بصفة الفخر عندما تكون موجهة ضد قبيلة أخرى ، واندفاع الأفراد في المنافسة على هذا الفعل / السرقة / ليس مردّه إلا إلى دافع واحد هو الخوف من الاتهام بالضعف والجبن ، فالخوف هو الدافع الأول .
ومتعة التفاخر هي الدافع اللاحق / الثاني / ويبدو ظاهراً في هذا المثال ليس فقط تغليف مفهوم الخوف ، بل وانحراف القيم الأخلاقية وتشويه لمفهوم الفضيلة ، والخوف الاجتماعي العام للقبيلة من ضرورة الحاجة .
*    *    *
مما سبق نصل إلى نتيجة نهائية واضحة ، كحل وحيد وهي الحبّ ثم الحبّ ثم الحبّ ، فالحبّ هو الحقيقة .

 


اتصل بنا

إدارة الموقع ترحب بمشاركتكم و اقتراحاتكم

على البريد الالكتروني info@alkalatia.com